كتب إليّ صديقٌ منبِّهاً إلى مقالات وخطابات ينشرها شيعيٌّ مشكِّك، وقال إن هذا الشخص «أفلح» و«نجح» في هزّ أركان مذهب أهل البيت.
فأجبته: لو اجتمع عشرة ملايين من أمثال هذا الشخص، ومعهم عشرة ملايين من أمثال المتحوِّلين: المؤيِّد والكاتب والبرقعي وكسروي وحكمي زاده وغيرهم، وتعاضدوا وحصلوا على دعم بمئات الملايين من الدولارات، فإنهم لن يستطيعوا مسَّ شعرةٍ من مذهب آل البيت.
وكذلك، لو اجتمع معهم العدد نفسه من الوهابيين وآل سعود وآل البعث وداعش والقاعدة، فإنهم لن يفلحوا، كما لم يفلح الآلاف قبلهم، من أمثال معاوية ويزيد والمنصور والمتوكل وابن تيمية وابن القيم والأيوبي وزنكي وهوتكي وابن باديس وسليم الأول ونوح الحنفي وعبد الوهاب وابن باز وصدام حسين، في التأثير في نمو مذهب أهل البيت وانتشاره وصعوده، رغم كل ما ارتكبوه من مجازر، وما مارسوه من دعايات وتكفير وتأليب وقمع وتشريد. بل على العكس؛ كلما ازدادت الهجمات الدعائية والفتاوى التكفيرية والقمع الميداني ضد مذهب أهل البيت، ازدادت ردود أفعال الشيعة قوّةً ورصانةً وتأثيراً وعمقاً.
وقبل كل ذلك، فإن التشيّع هو إسلام رسول الله، ومصداق الذِّكر المحفوظ من الله، وإرث أئمة الهدى، والعقيدة المعجونة بتكوين الشيعة ودمائهم وجهدهم وجهادهم وكدحهم.
وأذكر لك بعض المؤشرات لتتأملها جيداً، وترى: هل يسمح الشيعة بأن يمسّ الخصوم مذهب آل البيت؟ وهل الشيعة قاعدون وصامتون إزاء الدفاع عن المذهب ونشره وإيصال صوت العترة إلى كل شبر في العالم؟
١- قبل العام ١٩٧٩، كان مراجع الدين الشيعة في إيران والعراق يعيشون تحت رحمة السيف والقمع والتهديد والحصار، لكنهم اليوم هم قادة المجتمع والأمة، وفتاواهم تزلزل الأرض من تحت أقدام الخصوم والأعداء، وصوتهم يصل بقوة إلى كل بقعة من بقاع الأرض.
٢- قبل العام ١٩٧٩، كان عدد الشيعة أقل من (٢٠٠) مليون نسمة، واليوم يزيد عددهم على (٤٠٠) مليون، بفضل المدّ والاستقطاب والانتشار السريع في كل بقاع العالم، وبفضل مواقفهم المبدئية والدعوة بغير لسان.
٣- قبل العام ١٩٧٩، كان الشيعة يعيشون على الهامش محلياً وإقليمياً ودولياً، واليوم هم أحد أكبر الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويتحكّمون في قرار أربع دول: إيران والعراق ولبنان واليمن.
٤- قبل العام ١٩٧٩، كان للشيعة (١٤) حوزةً علميةً ومؤسسةً دينيةً تعليميةً فاعلةً، واليوم يزيد عدد مؤسساتهم الحوزوية العلمية والدينية على (٣٠٠) حوزة ومؤسسة مركزية، منتشرة في مختلف أنحاء العالم، وبلغ عدد فقهائها وأساتذتها وطلبتها عشرين ضعف ما كانوا عليه قبل خمسة وأربعين عاماً.
٥- ارتفع عدد مراكز الدراسات الإسلامية والمؤسسات الثقافية والتبليغية والاستراتيجية والسياسية والاجتماعية من نحو (٥٠) مؤسسة فقط قبل العام ١٩٧٩ إلى أكثر من (٥٠٠٠) مؤسسة، منتشرة في مختلف أنحاء العالم.
٦- بلغ عدد الكتب التي يصدرها الشيعة في مجالات العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي والتعريف بالتشيّع ونشر سيرة أهل البيت وفكرهم واستنهاض الشيعة ما يقرب من (١٠،٠٠٠) كتاب سنوياً، بعد أن كانت لا تتجاوز (٥٠٠) كتاب سنوياً قبل العام ١٩٧٩. وقد خرجت هذه الكتب من الطابع التقليدي إلى الطابع التجديدي والتأصيلي والاستنهاضي والتنويري والإصلاحي.
وهناك عشرات الأدلة الأخرى التي تؤكد أن الشيعة والتشيّع في صعود كبير ومتواصل، فكراً وفقهاً وميداناً، وبكمٍّ ونوعٍ يندر نظيرهما في التاريخ الشيعي برمّته، من دون أن يؤثر في مسيرتهم، الزاحفة بثقة بالله، تكفيريٌّ أو جزّارٌ أو متساقطٌ أو مشكِّك.
أطرح لك هذه الحقائق، لا لكي تشعر بالأمان وتسترخي، وإنما لتعي واقعك وتفخر به أولاً، ثم تتحزّم أكثر، وتشحن طاقتك، وتشحذ همّتك بشكل أكبر، وتستمر في التقدّم بقوة وثقة بالله وبنفسك؛ لأن معركة الشيعة اليوم هي من أجل المحافظة على مكاسبهم التاريخية الفكرية والميدانية، وليستمروا في التقدّم والعطاء، ولكي لا يعودوا إلى عصور التهميش والإقصاء والقمع والاستضعاف.





