بقلم الباحث الحقوقي والاقتصادي رنج باراوي
في عتمة زنزانته الفاشية، خطّ المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عبارة في “دفاتر السجن” تحولت مع الوقت إلى مفتاح لفهم المنعطفات التاريخية الكبرى؛ كتب يقول: «تكمن الأزمة تماماً في أن القديم يموت، بينما الجديد لا يستطيع الولادة بعد؛ وفي هذا البرزخ بالذات، تظهر شتى العلامات والأعراض المرضية الغريبة.» اليوم، حين يقف رئيس الوزراء علي الزيدي بكل مكاشفة أمام المجتمع ليعلن بوضوح يقترب من التحذير: «نحن أمام اقتصادين؛ اقتصاد قديم يرفض الموت، واقتصاد جديد لم يقدر على الولادة بعد»، فإنه لا يرمي شعاراً سياسياً للاستهلاك الإعلامي.
الرجل يضع إصبعه على الوجع البنيوي؛ على ذات البرزخ التاريخي الذي يبتلع الدولة ومقدراتها. هذا الطرح ليس مناورة بروتوكولية لتبرير العجز، بل هو اعتراف صريح بالصراع الحقيقي المحتدم خلف الكواليس. إنه صراع بين جيلين، ورؤيتين، وموديلين متناقضين يمسكان بتلابيب القرار المالي والتشريعي، والنتيجة؟ شلل عام يدفع ثمنه الجميع. أولاً: في تفكيك الاقتصاد القديم.. دينامو “الريع” وشبكات المصالح الاقتصاد القديم الذي يعنيه الزيدي ليس مجرد مصانع متوقفة أو دفاتر حسابية عتيقة؛ هو في العمق “ثقافة مؤسساتية متصلبة وتحالفات مصلحية” نمت وتجذرت عبر العقود. نحن نعيش في جلباب دولة ريعية مطلقة، جلباب صُمم ليجعل المجتمع برمته يترقب فُتات الموارد الطبيعية وينتظر طوابير الرواتب آخر الشهر من دولة أبوية مهيمنة. لا وجود هنا لمنطق الإنتاج، ولا لتقسيم العمل، ولا حتى لتنويع حقيقي يخفف وطأة الاعتماد على مصدر واحد. هذا السيستم التقليدي لن يسلم مفاتيحه طواعية، ولن يذهب إلى المقبرة بيُسر؛ لأن الحرس القديم والمستفيدين من هذا الركود يرون في أي تغيير بالقوانين أو المنظومة المالية تهديداً مباشراً لامتيازاتهم الحصرية. وهنا يصح تماماً ما قاله البريطاني جون مينارد كينز: «الصعوبة لا تكمن في تطوير أفكار جديدة، بل في التخلص من الأفكار القديمة التي تغلغلت وتفرعت في كل زاوية من زوايا عقولنا.» الماضي يستميت للبقاء لأنه تعلم كيف يدفن البطالة الحقيقية تحت سجادة “القطاع العام المترهل”. إنها معادلة مشوهة يجري فيها باستمرار تقديم موازنات الاستثمار والتنمية والتطوير كقربان لتمويل النفقات الاستهلاكية الجارية، لتبقى الدولة بلا تراكم رأسمالي، وبلا غد. ثانياً: مخاض الولادة المتعسرة.. داهتنو المقيد بالبيروقراطية على المقلب الآخر من المعادلة، يقف “الاقتصاد الجديد”. نموذج يتحدث بلغة التكنولوجيا، الرقمنة، ريادة الأعمال، واقتصاد المعرفة. هذه هي اللغة الحيوية للشباب اليوم، وهي طاقات تمتلك الأفكار والطموح، لكن السؤال الحاد والجارح: لماذا يختنق هذا المولود قبل أن يرى النور؟ في فقه التنمية، لا يمكن للأفكار الحديثة أن تنمو في أرض سبخة مالم تتم إزاحة العوائق. الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر صاغ لهذا المفهوم مصطلح «التدمير الخلّاق» (Creative Destruction)، حيث يرى أن حتمية التطور تفرض تفكيك وإزاحة البنى والتشريعات القديمة العاجزة، لفتح مساحة لقوى السوق الجديدة والأكثر كفاءة. شومبيتر كان واضحاً حين قال: «إن فتح أسواق جديدة والتطوير المؤسسي المتواصل… هي عملية تحول مستمرة تثور في البنية الاقتصادية من الداخل؛ تهدم القديم بلا هوادة وتخلق الجديد بلا انقطاع.» بالنظر إلى واقعنا، نجد أن هذا “التدمير الخلاق” مكبوح جماحه بقوة السلاح البيروقراطي. ترسانة القوانين البالية، وإجراءات تسجيل الشركات التي تعود لمنتصف القرن الماضي، والمنظومة المصرفية البدائية التي ما زالت تعشق الأوراق والأختام؛ كلها تلعب دور الدروع الواقية لحماية “ديناصورات السوق التقليدية”. عندما يقرر شاب إطلاق مشروع ريادي رقمي، فبدلاً من أن يجد بيئة تحتضنه برؤوس أموال جريئة تسهل طريقه، يصطدم بجدار من القعقيدات الإدارية والضرائب والابتزاز البيروقراطي الذي يجهض فكرته وهي ما زالت في مهدها. ثالثاً: ضريبة العيش في الرماد البرزخي المراواحة والوقوف الطويل في منتصف الجسر، والتي وصفها رئيس الوزراء في خطابه، ليست بلا ثمن. الوطن يدفع الفاتورة يومياً من لحمه الحي، والنتيجة المباشرة هي “الركود الهيكلي المستدام”. كارل ماركس، وبغض النظر عن الأيديولوجيا، وضع يده على هذه النقطة التاريخية عندما أكد أنه في اللحظة التي تتحول فيها “علاقات الإنتاج” (المتمثلة في القوانين القديمة، والامتيازات، والأعراف البالية) إلى قيود تكبل “قوى الإنتاج” (الأفكار الحديثة، وزخم الشباب، والتكنولوجيا)، فإن المجتمع يدخل حتماً في طور الأزمة العميقة: «عند مرحلة معينة من تطورها، تدخل قوى الإنتاج المادية للمجتمع في تناقض حاد مع علاقات الإنتاج القائمة… وتتحول هذه العلاقات من صيغ مشجعة ومطورة لقوى الإنتاج إلى قيود تكبلها، وعندها تبدأ حقبة التحول الاجتماعي والاقتصادي الشامل.» هذا الانسداد يفرز اليوم عارضين يهددان السلم الاجتماعي: -نزيف العقول والكفاءات: المبتكر والخريج المتميز حين يرى المنظومة ترفض التزحزح، وأن الولاء والمحسوبية هما المعيار، لن يضيع عمره في انتظار معجزة؛ سيحزم حقائبه ويمضي نحو أسواق تحترم عقله وجهده. -الوهن العام والدوران في الفراغ: تواصل الدولة استنزاف إيراداتها لإطالة عمر نموذج ميت إكلينيكياً، بهدف تأمين الرواتب والنفقات التشغيلية فقط، بينما يعجز القطاع الخاص الحقيقي عن التنفس، مما يمد في عمر البطالة المقنعة ويبقينا في حلقة مفرغة. التفكيك القانوني والاقتصادي لخطاب علي الزيدي يوصلنا إلى نتيجة قطعية: التشخيص وحده لم يعد ترفاً مقبولاً، والحديث عن “الاقتصادين” لا يجب أن ينتهي عند حدود التباكي أو التنظير في الصالونات الفكرية. هذا الكلام يجب أن يكون شرارة لإعلان “حالة طوارئ تشريعية ومالية قصوى”. القديم لن يتنازل برغبته، والجديد لن يكسر الباب وحده دون إسناد سياسي وسيادي حازم. آدم سميث، الأب الروحي للاقتصاد الحديث، أكد في كتابه “ثروة الأمم” أن الغاية النهائية لأي نظام اقتصادي هي خدمة المجتمع والمستهلك، وليس حماية فئة تحتكر المقدرات: «الاستهلاك هو الغاية والهدف الوحيد لكل إنتاج؛ ولا يتم الاهتمام بمصلحة المنتج إلا بالقدر الذي يكون فيه ذلك ضرورياً لتعزيز ومصلحة المستهلك والمجتمع.» الأجيال الجديدة تحتاج، كخيار حياة أو موت، إلى اقتصاد رقمي، مرن، ومتنوع يقوم على المعرفة والعدالة التشريعية. الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إرادة سياسية ذات طابع جراحي؛ إرادة تمسك بمشرط القانون الحديث لتقطع قيود النموذج البالي وتبدد الضباب عن الغد. الوقوف الطويل في منتصف الجسر لا يعني سوى انتظار الانهيار؛ والحسم الشجاع هو وحده الذي سينقذ المستقبل من قبضة الأمس.





