ثقافية عام

الدراسة التحليلية لشخصية الجابري في أشعارهِ

وكالة دعم الدولة / إنعام عطيوي
يحكم النقاد دائما على الشعراء من خلال الدراسات التحليلية لقصائد الشعراء فيغدو الشعر هو الحكم الفصل الذي على أثره يُطلق حكم النقاد اتجاه الشاعر .
إذ يعد الشعر هو الهوية الحقيقية للشاعر وانتماءاته وشخصيته وأفكاره فديوان جابر الجابري الذي حمل أشعار مختارة من تاريخ 1978 إلى 2008 شمل قصائد تاريخية لحقب زمنية أرخت ثلاث عقود من التاريخ. فلم يكن يحمل صوراً شعرية فقط ،وإنما حمل أيضا صوراً تاريخية. إذ عاش الشاعر العقود التاريخية الثلاث التي مر بها العراق وأرخها كقصائد رثى بها شخصيات مهمة فارقت الحياة خلال الثلاث عقود المنصرمة، كما انه رثى بلده وكتب في لواعج الوجدان لفراق موطنه ألام، لكنه خلا من أشعار تؤرخ حياته الشخصية أو حياة عائلته، وهذا ما أعده النقاد بمثابة لهروب من توثيق حياته الشخصية فلم يرثي استشهاد أخويه أو اعتقال والدته من النظام الصدامي البائد. كما انه لم يذكر في قصائده حقب اعتقاله وتعذيبه وكيفية هروبه من النظام فبات يخفي صورة شعرية لحياته عن القراء، كما انه كتب الشعر بإسهاب بعد مغادرته العراق وعند عودته إلى أحضان الوطن توقف قلمه عن كتابة الشعر، واكتفى عما كتبه في لوعة الغربة. كما لم يخلو ديوان الجابري من تقدم قصائد الحب فذكر الحب ولوعتهِ والغربة وقسوتها وأعطى مجانسة صورية بين الحب والغربة وتلون مشاعر الحب من حقبة إلى أخرى، فباتت قصائده لا تخلوا من أسماء نساء كتب لهن الشعر باسمهن الصريح دون وجل أو خوف من أعراف المجتمع ان ذاك، وكأنه يشابه كتابات قيس في بوحه ليكون مجنون ليلى رغم انه استخدم الصور الشعرية الحديثة فكتب الشعر ألعامودي المقفى وكذلك كتب الشعر الحر وفي كلا الحالتين قدم شكلا ومضموناً للقصيدة اختلفت عن مثيلات عصرها. فكانت له بصمة خاصة تؤكد للنقاد إمكانيته الشعرية وتمكنه من حبكة القصيدة وقوتها وجرأته في الطرح مما يلفت الانتباه إن الشاعر مهما حاول أن يخفي شخصيته وهويته الحقيقية عن القراء كشفت قصائده عن امتهان شخصيته مهنة المحارب الذي لا يفتأ حتى ينال ما يصبوا إليه. فتجسدت أبيات القصيدة شخصية الشاعر أنه محارب عنيد يتخذ من أسلوب الحرب عنوان للوصول إلى مبتغاه. كما أننا لم نجد في ديوانه شعراً يمتدح فيه حاكماً أو ملكاً أو سلطاناً ولم يتكسب المناصب من شعره، وإنما وجدنا فيه هجياً لرؤساء وحكام ورثاءاً لشخصيات دينية ومجتمعية معروفة. من هنا نستطيع القول إن شخصية الجابري فرضت ركائز على قصيدتهِ ورسمت صور شعرية صاغت فيها مشاعر القلق والعناد والحرب وسرعة المباغتة في شخصية الشاعر لترسم صور شعرية سريعة الظهور تؤرخ حقب تاريخية وتوثق الحرب والسياسة وتذكر الحب والحرمان والهجرة ولوعة العودة فكانت قريحتهِ الشعرية تنعش ذاكرة أجيال الثلاث عقود المنصرمة، لكنها لم تستهوي مخيلة جيل ما بعد العودة للوطن فلم يكتب قصائد شعرية تصف عناق الوطن بعد عودتهِ من غربتهِ ولم يهجي الحرب على الفساد بعد حرب السلطة الظالمة ولم يكتب عن قصائد العودة إلى احضان الوطن ورغم إن هذا نقدي جاء معاتباً لخلو أشعاره من هذه الحقبة إلا انه لا يعد نقداً لاذعاً أكثر من كونه من مصافي النقد البناء ليُلفت للشاعر خلو قصائده من مرحلة شعرية مهمة باتت هي الأهم في عصرنا الحديث.
قصيدة للشاعر ابو مدين الموسوي من ديوان جابر الجابري بعنوان (غريب يا غريبة الشام)
عند دخول الشاعر لأول مرة ضريح السيدة زينب في دمشق بعد مغادرته العراق عام 1980
غريبٌ يا غريبة الشام
حنانيكِ سيدتي زينبُ حنانيكِ
فالجرحُ مُستعذبٌ
بفيئك جئنا نشدُّ الضماد وفيئكِ
للمتعبين أبُ
تقطر من دمِنا ما يفيضُ لظاه
على الجمرِ إذا يلهبُ
وأتعبنا النزفُ بعد النزال فجئناكِ
والقطرُ لا ينضبُ
وأنتِ التي تمنحين الرجال رجولتُهم
وهي تُستصعبُ
وقبرُك مأوى لكلِ يد ٍ يُزلزل
ساعدها الملعبُ
عليك توكلتُ حيثُ الصديق يشحُ
وموردهُ يشحبُ
وتحت ظلال الضريح الندي وجدتكِ
ناراً بنا تلهبُ
فحيث استمرت يدُ العابثين لكل يد ٍ
حُرةٍ تحتجبُ
وحيث تنادت ضباعُ الصحارى علينا
وتحرسُها الاذؤبُ
فررنا اليكِ عُراة ً حفاة ً يجللُنا
بالأسى الغيهبُ
وجدناكِ نبعاً طري المزاج
فطابَ على فمنا المشربُ
حنانيكِ إن الطريق طويلٌ إليكِ
ومسلكهُ أصعبُ
وأرجُلنا ادمنت والعيونُ تنادت
عليها الرؤى الكذبُ
قطعنا الظلام فما اشرقت
بآفلقنا نجمة ٌ كوكبُ
ولا شدّ قافلتي للمسير
حداءٌ ولا غرني المركبُ
ولكن رأيت الرحيل كريماً اليكِ
وذلك ما أرغبُ
الجابري في المرقد

اترك تعليقاً